محمد سعيد رمضان البوطي
14
فقه السيرة ( البوطي )
مصير هذه المدرسة اليوم : والحقيقة : أن الاهتمام بهذه المدرسة في كتابة السيرة وفهمها ، والحماسة التي ظهرت يوما ما لدى البعض في الأخذ بها ، إنما كان منعطفا تاريخيا ومرّ . وعذر أولئك الذين كتب عليهم أن يمروا بذلك المنعطف أو يمر هو بهم ، أنهم كانوا - كما قلنا - يفتحون أعينهم إذ ذاك على خبر النهضة العلمية في أوروبا ، بعد طول غفلة وإغماض ، وإنه لأمر طبيعي أن تنبهر العين عند أول لقياها مع الضياء ، فلا تتبين حقائق الأشياء ، ولا تتميز الأشباه عن بعضها ، حتى إذا مرّ وقت ، واستراحت العين إلى الضياء ، أخذت الأشياء تتمايز وبدت الحقائق واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض . وهذا ما قد تم فعلا ، فقد انجابت الغاشية ، وصفت أسباب الرؤية السليمة أمام الأبصار . . أبصار الجيل الواعي المثقف اليوم ، فانطلق يتعامل مع حقيقة العلم وجوهره ، بعد أولئك الذين أخذوا بألفاظه وانخدعوا بشعاراته ، ثم عادوا وقد أيقنوا ببصيرة الباحث العليم والمفكر الحر ، بأن شيئا مما يسمى بالخوارق والمعجزات لا يمكن أن يتنافى في جوهره مع حقائق العلم وموازينه . ذلك لأن هذه الخوارق سميت كذلك لخرقها لما هو مألوف أمام الناس ، وما كان للألف أو العادة أن يكون مقياسا علميا لما هو ممكن وغير ممكن . وهيهات أن يقضي العلم يوما ما بأن كل ما استأنست إليه عين الإنسان مما هو مألوف هو وحده ممكن الوقوع ، وأن كل ما استوحشت منه عين الإنسان مما هو غير مألوف له غير ممكن الوقوع . ولقد علم كل باحث ومثقف اليوم بأن أحدث ما انتهت إليه مدارك العلماء في هذا الصدد ، هو أن العلاقة التي نراها بين الأسباب ومسبباتها ، ليست إلا علاقة اقتران مطرد ، اكتسبت تحليلا ، ثم تعليلا ، ثم استنبط منها القانون الذي هو تابع لظهور تلك العلاقة وليس العكس . فإن رحت تسأل القانون العلمي عن رأيه في خارقة أو معجزة إلهية ، قال لك بلسان الحال الذي يفقهه كل عالم بل كل متبصر بثقافة العصر : ليست الخوارق والمعجزات من موضوعات بحثي واختصاصي ، فلا حكم لي عليها بشيء ، ولكن إذا وقعت خارقة من ذلك أمامي فإنها تصبح في تلك الحال موضوعا جاهزا للنظر والتحليل ، ثم الشرح والتعليل ، ثم تغطي تلك الخارقة بقانونها التابع لها « 1 » .
--> ( 1 ) انظر تفصيل هذا البحث في كتاب كبرى اليقينيات الكونية لمؤلف هذا الكتاب : 329 وما بعد .